فصل: تفسير الآية رقم (11):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (6):

{تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)}
{تِلْكَ آيات الله} مبتدأ وخبر، وقوله تعالى: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} حال عاملها معنى الإشارة نحو {هذا بَعْلِى شَيْخًا} [هود: 72] على المشهور، وقيل: هو الخبر و{الله إِلاَّ} بدل أوعطف بيان وقوله سبحانه: {بالحق} حال من فاعل {نَتْلُوهَا} أو من مفعوله أي نتلوها محقين أو ملتبسة بالحق فالباء للملابسة ويجوز أن تكون للسببية الغائية، والمراد بالآيات المشار إليها إما آيات القرآن أو السورة أو ما ذكر قبل من السموات والأرض وغيرهما فتلاوتها بتلاوة ما يدل عليها، وفسرت بالسرد أي نسردها عليك.
وقال ابن عطية: الكلام بتقدير مضاف أي نتلوا شأنها وشأن العبرة بها. وقرئ {يتلوها} بالياء على أن الفاعل ضميره تعالى والمراد على القراءتين تلاوتها عليه صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك عليه السلام {يَعْقِلُونَ تَلْكَ ءايات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق} هو من باب قولهم: أعجبني زيد وكرمه يريدون أعجبني كرم زيد إلا أنهم عدلوا عنه للمبالغة في الإعجاب أي فبأي حديث بعد هذه الآيات المتلوة بالحق يؤمنون، وفيه دلالة على أنه لا بيان أزيد من هذا البيان ولا آية أدل من هذه الآية، وتفخيم شأن الآيات من اسم الإشارة وإضافتها إلى الله عز وجل، وجعل {نَتْلُوهَا} حالًا مع ضمير التعظيم ثم تكرير الاسم الجليل للنكتة المذكورة وإضافتها إليه بواسطة الضمير مرة أخرى، وقد ذكر ذلك الزمخشري وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بشيء لأن فيه من حيث المعنى إقحام الأسماء من غير ضرورة والعطف، والمراد غير العفط من إخراجه إلى باب البدل لأن تقدير كرم زيد إنما يكون في أعجبني زيد كرمه بغير واو على البدل وهذا قلب لحقائق النحو، وإنما المعنى في المثال أن ذات زيد أعجبته وأعجبه كرمه فهما إعجابان لا إعجاب واحد وهو مبني على عدم التعمق في فهم كلام جار الله.
ومن تعمق فيه لا يرى أنه قائل بالإقحام وإنما بيان حاصل المعنى يوهمه، وبين هذه الطريقة وطريقة البدل مغايرة تامة، فقد ذكر أن فائدة هذه الطريقة وهي طريقة إسناد الفعل إلى شيء والمقصود إسناده إلى ما عطف عليه قوة اختصاص المعطوف بالمعطوف عليه من جهة الدلالة على أنه صار من التلبس بحيث يصح أن يسند أوصافه وأفعاله وأحواله إلى الأول قصدًا لأنه نزلته ولا كذلك البدل لأن المقصود فيه بالنسبة هو الثاني فقط وهنا هما مقصودان، فإن قلت: إذا لم يكن ذلك الوصف منسوبًا للمعطوف عليه لزم إقحامه كما قال أبو حيان، وما يذكر من المبالغة لا يدفع المحذور، وعلى فرض تسليمه فدلالته على ما ذكر بأي طريق من طرق الدلالة المشهورة.
أجيب بأنه غير منسوب إليه في الواقع لكن لما كان بينهما ملابسة تامة من جهة ما ككون الآيات هاهنا بإذنه تعالى أو مرضية له عز وجل جعل كأنه المقصود بالنسبة وكنى بها عن ذلك الاختصاص كناية إيمائية ثم عطف عليه المنسوب إليه وجعل تابعًا فيها وبهذا غاير البدل مغايرة تامة غفل عنها المعترض فالنسبة بتمامها مجازية كذا قرره بعض المحققين.
وقال الواحدي: أي فبأي حديث بعد حديث الله أي القرآن وقد جاء إطلاقه عليه في قوله تعالى: {الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث} [الزمر: 23] وحسن الإضمار لقرينة تقدم الحديث، وقوله سبحانه: {وءاياته} عطف عليه لتغايرهما إجمالًا وتصيلًا لأن الآيات هي ذلك الحديث ملحوظ الأجزاء، وإن أريد ما بين فيه من الآيات والدلائل فليس من عطف الخاص على العام لأن الآيات ليست من القرائن وإنما وجه دلالتها وإيرادها منه فيكون في هذا الوجه الدلالة أيضًا على حال البيان والمبين كما في الوجه الأول، وقال الضحاك: أي فبأي حديث بعد توحيد الله ولا يخفى أنه بظاهره مما لا معنى له فلعله أراد بعد حديث توحيده تعالى أي الحديث المتضمن ذلك أو هو بعد تقدير المضاف من باب أعجبني زيد وكرمه، وأيًا ما كان فالفاء في جواب شرط مقدر والظرف صفة {حَدِيثُ} وجوز أن يكون متعلقًا بيؤمنون قدم للفاصلة.
وقرأ ابن عامر. وأبو بكر. وحمزة. والكسائي {تُؤْمِنُونَ} بالتاء الفوقانية وهو موافق لقوله تعالى: {وَفِى خَلْقِكُمْ} [الجاثية: 4] بحسب الظاهر والصورة وإلا فالمراد هنا الكفار بخلاف ذلك.
وقرأ طلحة {تُوقِنُونَ} بالتاء الفوقانية والقاف من الإيقان.

.تفسير الآية رقم (7):

{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7)}
{وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ} كثير الإفك أي الكذب {أَثِيمٍ} كثير الإثم، والآية نزلت في أبي جهل، وقيل: في النضر بن الحرث وكان يشتري حديث الأعاجم ويشغل به الناس عن استماع القرآن لكنها عامة كما هو مقتضي كل ويدخل من نزلت فيه دخولًا أوليًا، و{أَثِيمٍ} صفة {أَفَّاكٍ} وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (8):

{يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)}
{يَسْمَعُ ءايات الله} صفة أخرى له، وقيل استئناف، وقيل حال من الضمير في {أَثِيمٍ} وقوله سبحانه: {تتلى عَلَيْهِ} حال من {الله إِلاَّ} ولم يجوز جعله مفعولًا ثانيًا ليسمع لأن شرطه أن يكون ما بعده مما لا يسمع كسمعت زيدًا يقرأ، والظاهر أن المراد بتتلى الاستمرار لأنه المناسب للاستبعاد المدلول عليه بقوله عز وجل: {ثُمَّ يُصِرُّ} فإن ثم لاستبعاد الإصرار بعد سماع الآيات وهي للتراخي الرتبي ويمكن إبقاؤه على حقيقته إلا أن الأول أبلغ وأنسب بالمقام، ونظير ذلك في الاستبعاد قول جعفر بن علية:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرة ** يرى غمرات الموت ثم يزورها

والإصرار على الشيء ملازمته وعدم الانفكاك عنه من الصر وهو الشد ومنه صرة الدراهم، ويقال: صر الحمار أذنيه ضمهما صرًا وأصر الحمار ولا يقال أذنيه على ما في الصحاح وكأن معناه حينئذ صار صارًا أذنيه.
والمراد هنا ثم يقيم على كفره وضلاله {مُسْتَكْبِرًا} عن الايمان بالآيات وهو حال من ضمير {يُصِرُّ} وقوله سبحانه: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} حال بعد حال أو حال من ضمير {مُسْتَكْبِرًا} وجوز الاستئناف، و{كَانَ} مخففة من كأن بحذف إحدى النونين واسمها ضمير الشأن، وقيل: لا حاجة إلى تقديره كما في أن المفتوحة، والمعنى يصر مستكبرًا مثل غير السامع لها {فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} على إصراره ذلك، والبشارة في الأصل الخبر المغير للبشرة خيرًا كان أو شرًا، وخصها العرف بالخبر السار فإن أريد المعنى العرفي فهو استعارة تهكمية أو هو من قبيل:
تحية بينهم ضرب وجيع...

.تفسير الآية رقم (9):

{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9)}
{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئًا} وإذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها.
{اتخذها هُزُوًا} بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، وجوز أن يكون المعنى وإذا علم من آياتنا شيئًا يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملًا يتسلق به على الطعن والغميزة افترصه واتخذ آيات الله تعالى هزوًا وذلك نحو اعتراض ابن الزبعري في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله على ما بعض الروايات: خصمتك فضمير {اتخذها} على الوجهين للآيات، والفرق بينهما أن {شَيْئًا} على الثاني فيه تخصيص لقرينة {اتخذها هُزُوًا} إذ لا يحتمل إلا ما يحسن أن يخيل فيه ذلك ثم يجعله دستورًا للباقي فيقول: الكل من هذا القبيل، وفرق بين الوجهين أيضًا بأن الأول الاتخاذ قبل التأمل وفي الثاني بعده وبعد تمييز آية عن أخرى، وقيل: الاستهزاء بما علمه من الآيات إلا أنه أرجع الضمير إلى الآيات لأن الاستهزاء بواحدة منها استهزاء بكلها لما بينها من التماثل، وجوز أن يرجع الضمير إلى شيء والتأنيث لأنه عنى الآية كقول أبي العتاهية:
نفسي بشيء من الدنيا معلقة ** الله والقائم المهدي يكفيها

يعني الشيء وأراد به عتبة جارية للمهدي من حظاياه وكان أبو العتاهية يهواها فقال ما قال. وقرأ قتادة. ومطر الوراق {عِلْمٍ} بضم العين وشد اللام مبنيًا للمفعول {أولئك} إشارة إلى {كل أفاك} [الجاثية: 7] من حيث الاتصاف بما ذكر من القبائح، والجمع باعتبار الشمول للكل كما في قوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32] كما أن الأفراد فيما سبق من الضمائر باعتبار كل واحد واحد، وأداة البعد للإشارة إلى بعد منزلتهم في الشر.
{لَهُمْ} بسبب جناياتهم المذكورة {عَذَابٌ مُّهِينٌ} وصف العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم بآيات الله عز وجل:

.تفسير الآية رقم (10):

{مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10)}
{مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} أي من قدامهم لأنهم متوجهون إليها أو من خلفهم لأنهم معرضون عن الالتفات إليها والاشتغال عما ينجيهم منها مقبلون على الدنيا والانهماك في شهواتها، والوراء تستعمل في هذين المعنيين لأنها اسم للجهة التي يواريها الشخص فتعم الخلف والقدام، وقيل في توجيه الخلفية: إن جهنم لما كانت تتحقق لهمبعد الأجل جعلت كأنها خلفهم {وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم} ولا يدفع {مَّا كَسَبُواْ} أي الذي كسبوه من الأموال والأولاد {شَيْئًا} من عذاب الله تعالى أو شيئًا من الإغناء على أن {شَيْئًا} مفعول به أو مفعول مطلق {وَلاَ مَا اتخذوا} أي الذي اتخذوه {مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء} أي الأصنام.
وجوز أن تفسر {مَا} بما تعمها وسائر المعبودات الباطلة، والأول أظهر، وجوز في {مَا} في الموضعين أن تكون مصدرية، وتوسيط حرفي النفي بين المعطوفين مع أن عدم إغناء الأصنام أظهر وأجلى من عدم إغناء الأموال والأولاد قطعًا مبني على زعمهم الفاسد حيث كانوا يطمعون في شفاعتهم، وفيه تهكم {وَلَهُمْ} فيما وراءهم من جهنم {عَذَابٌ عظِيمٌ} لا يقادر قدره.

.تفسير الآية رقم (11):

{هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)}
{هذا} أي القرآن كما يدل عليه ما بعد وكذا ماقبل كـ {يسمع آيات الله} [الجاثية: 8] و{إذا علم من آياتنا} [الجاثية: 9] و{تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا} [الجاثية: 6] {هُدًى} في غاية الكمال من الهداية كأنه نفسها {والذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ} يعني القرآن أيضًا على أن الإضافة للعهد، وكان الظاهر الإضمار لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل لزيادة تشنيع كفرهم به وتفظيع حالهم، وجوزأن يراد بالآيات ما يشمله وغيره.
{لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ} من أشد العذاب {أَلِيمٌ} بالرفع صفة {عَذَابِ} أخر للفاصلة.
وقرأ غير واحد من السبعة {أَلِيمٌ} بالجر على أنه صفة {رِجْزَ}، وجعله صفة {عَذَابِ} أيضًا والجر للمجاورة مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقيل: على قراءة الرفع إن الرجز عنى الرجس الذي هو النجاية، والمعنى لهم عذاب أليم من تجرع رجس أو شرب رجس والمراد به الصديد الذي يتجرعه الكافر ولا يكاد يسيغه ولا داعي لذلك كما لا يخفى، وتنوين {عَذَابِ} في المواقع الثلاثة للتفخيم، ورفعه إما على الابتداء وإما على الفاعلية للظرف.

.تفسير الآية رقم (12):

{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)}
{الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر} بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه {لِتَجْرِىَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ} بتسخيره تعالى إياه وتسهيل استعمالها فيما يراد بها، وقيل: بتكوينه تعالى أو بإذنه عز وجل، وسياق الامتنان يقتضي أن يكون المعنى لتجري الفلك فيه وأنتم راكبوها.
{وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} بالتجارة والغوص والصيد وغيرها {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ولكي تشكروا النعم المترتبة على ذلك، وهذا أعني {الله الذي سَخَّرَ} إلخ ذرك تتميمًا للتقريع ولهذا رتب عليه الأغراض العاجلة فإنه مما يستوجب الشكر غالبًا للكافر أيضًا فكأنه قيل: تلك الآيات أولى بالشكر ولهذا عقب بما يعم القسمين أعني قوله سبحانه: